20 مليار جنيه قيمة أراضي مستردة.. سامر شقير يقرأ مستقبل الاستثمار في العلمين الجديدة
تمثل خطوة الحكومة المصرية باسترداد أكثر من 815 فدانًا في مدينة العلمين الجديدة، بقيمة تتجاوز 20 مليار جنيه خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2026، تطورًا مهمًا في إدارة الأصول العقارية للدولة، ورسالة واضحة بشأن التوجه نحو تعظيم الاستفادة من الأراضي ذات القيمة الاستثمارية المرتفعة، خاصة في منطقة الساحل الشمالي الغربي.
ومن وجهة نظري، لا تقتصر أهمية هذه الخطوة على استعادة الأراضي وتسوية أوضاعها القانونية، بل تمتد إلى إعادة ترتيب أولويات تخصيص رأس المال في واحدة من أهم المناطق الواعدة للاستثمار في مصر، فالأراضي المستردة، التي يتركز جزء كبير منها حول مركز المال والأعمال وأبراج الداون تاون خلف الطريق الساحلي الدولي، تمثل أصولًا استراتيجية يمكن تحويلها إلى فرص استثمارية جديدة بعد استكمال شبكات المرافق والبنية التحتية.
وبحسب ما نقلته الشرق بلومبرغ عن مسؤول حكومي، من المتوقع إعادة طرح هذه المساحات خلال عامي 2027 و2028، بما يوفر موارد مالية يمكن توجيهها للمساهمة في تطوير 39 مدينة ذكية جديدة.
العلمين الجديدة.. من وجهة موسمية إلى مركز اقتصادي
أرى أن ما يحدث في العلمين الجديدة يعكس تحولًا مهمًا في الرؤية التنموية للساحل الشمالي الغربي، من منطقة تعتمد بصورة أساسية على السياحة الموسمية إلى مركز اقتصادي وعمراني قادر على استقطاب الأنشطة السكنية والتجارية والخدمية طوال العام.
فالقيمة الحقيقية للأرض لا ترتبط بموقعها ومساحتها فقط، وإنما بمدى جاهزيتها لاستقبال الاستثمارات وقدرتها على الاندماج في منظومة اقتصادية متكاملة.
ويتفق ذلك مع طرح مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations، بشأن أهمية التجمعات الاقتصادية المتكاملة في تعزيز الميزة التنافسية للمناطق، فنجاح المدن الحديثة يعتمد على تكامل البنية التحتية والخدمات والشركات والأنشطة الاقتصادية، إلى جانب التكنولوجيا والاتصال الرقمي.
إعادة تدوير الأصول وتعزيز ثقة المستثمرين
تأتي هذه الخطوة استكمالًا لجهود الدولة في تنظيم أوضاع الأراضي، بعدما جمعت الحكومة نحو 26 مليار جنيه من تقنين أوضاع أراضٍ بالساحل الشمالي الغربي خلال الفترة من يونيو 2025 إلى أغسطس 2026، وفقًا لتقارير سابقة للشرق بلومبرغ.
ومن وجهة نظري، فإن الجمع بين تقنين الأوضاع واسترداد الأراضي وإعادة تجهيزها وطرحها استثماريًا يمثل محاولة لبناء نموذج أكثر كفاءة لإدارة الأصول العامة، وتحويل الأراضي غير المستغلة إلى أصول منتجة قادرة على جذب رؤوس الأموال.
لكن المستثمر المؤسسي يحتاج إلى تقييم أكثر شمولًا من مجرد سعر الأرض أو العائد المتوقع، وهنا تبرز أهمية مفهوم هامش الأمان الذي تناوله بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، إذ ترتبط جدوى المشروعات العمرانية بجودة البنية التحتية، ووضوح الوضع القانوني، والقدرة على الالتزام بجداول التنفيذ، وليس فقط بالتوقعات الأولية للعوائد.
تحولات تخصيص رأس المال والفرص القطاعية
أتوقع أن تؤدي إعادة طرح الأراضي المجهزة إلى تغيير طبيعة المنافسة بين المطورين العقاريين في العلمين الجديدة، فالأفضلية ستكون للشركات التي تمتلك ملاءة مالية قوية وخبرة في تنفيذ المشروعات المتكاملة، والقدرة على الالتزام بمعايير المدن الذكية والاستدامة التشغيلية.
كما قد تفتح هذه التطورات المجال أمام صناديق الاستثمار الخليجية لزيادة اهتمامها بالفرص العقارية المصرية، خاصة في ظل أهمية الساحل الشمالي الغربي كمركز محتمل للاستثمارات الإقليمية.
وتشمل القطاعات الأكثر ارتباطًا بهذه الخطوة التطوير العقاري والإنشاءات والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا، خصوصًا الشركات التي تقدم حلولًا متكاملة لإدارة المرافق والشبكات الذكية والخدمات الرقمية.
وأرى أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولًا من المنافسة على امتلاك المواقع المميزة إلى المنافسة على جودة التنفيذ وكفاءة التشغيل والقدرة على تحقيق تدفقات نقدية مستدامة.
المخاطر والتحديات أمام الاستثمار
على الرغم من الفرص الواعدة، فإن نجاح هذه الخطوة يرتبط بعدة تحديات، في مقدمتها سرعة استكمال المرافق والبنية الأساسية، وشفافية شروط إعادة الطرح، ووضوح الالتزامات القانونية والمالية للمستثمرين.
كما يمثل تقلب سعر صرف الجنيه أحد المخاطر المهمة بالنسبة للمستثمرين الأجانب الذين يقيمون عوائدهم بالدولار، إذ لا تعني زيادة القيمة الاسمية للأصول بالضرورة تحقيق عائد حقيقي مرتفع بالعملة الأجنبية.
كذلك، فإن الاعتماد على حصيلة إعادة طرح الأراضي للمساهمة في تمويل تطوير 39 مدينة ذكية يتطلب تنويع مصادر التمويل، حتى لا ترتبط وتيرة تنفيذ المشروعات بشكل مفرط بتوقيتات الطروحات ومستويات الطلب الاستثماري.
2027 و2028.. اختبار القدرة على جذب رأس المال
إذا نجحت الحكومة في تجهيز الأراضي واستكمال المرافق وطرحها بشروط تنافسية وشفافة، فقد تشهد منطقة مركز المال والأعمال بالعلمين الجديدة مرحلة جديدة من النشاط الاستثماري خلال عامي 2027 و2028.
وأعتقد أن المستثمرين الأكثر قدرة على الاستفادة من هذه الفرص هم الذين ينظرون إلى المشروعات من منظور طويل الأجل، ويقيمون دورة حياة الاستثمار بالكامل، من تخصيص الأرض والبناء إلى التشغيل وتحقيق العوائد.
وهذا يتفق مع رؤية مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money، التي تؤكد أهمية الصبر والانضباط والابتعاد عن المضاربة قصيرة الأجل عند بناء الثروة والاستثمار المستدام.
وأرى أن استرداد أكثر من 815 فدانًا في العلمين الجديدة يمثل خطوة مهمة لإعادة تنظيم سوق الأراضي وتعزيز كفاءة إدارة الأصول العقارية للدولة المصرية، لكن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستتحدد بقدرة الحكومة على تحويل الأراضي المستردة إلى فرص استثمارية منتجة، وجذب رؤوس الأموال المؤسسية، وتحفيز المطورين الجادين.
رسالتي للمستثمرين أن الفرصة الحقيقية في العلمين الجديدة لا تكمن فقط في امتلاك أرض بموقع متميز، بل في الاستثمار في منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على خلق قيمة مستدامة.
فنجاح هذه التجربة قد يعيد رسم خريطة تخصيص رأس المال في الساحل الشمالي الغربي، ويعزز مكانة مصر على خريطة الاستثمار العقاري والعمراني الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
