الخميس 5 نوفمبر 2026 06:05 صـ 24 جمادى أول 1448 هـ
بوابة التقنية المالية
×

سامر شقير: 3 تريليونات دولار تُعيد رسم خريطة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي

الأحد 1 نوفمبر 2026 12:46 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على تطوير النماذج والتطبيقات الرقمية، بل انتقل إلى مرحلة أكثر عمقًا تتعلق ببناء البنية التحتية القادرة على تشغيل هذا الاقتصاد الجديد، وتكشف التزامات الإنفاق التي أعلنتها شركات ألفابت وميتا ومايكروسوفت وأمازون وأوراكل، والتي تتجاوز 3 تريليونات دولار، عن تحول استراتيجي في تخصيص رأس المال، يفتح فرصًا استثمارية واسعة، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديات جديدة على المستثمرين المؤسسيين.
أرى أن هذه الالتزامات تمثل تحولًا هيكليًا في الاقتصاد الرقمي، إذ تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى إلى توجيه جزء ضخم من مواردها نحو مراكز البيانات والطاقة والمعدات والشبكات وعقود الإيجار طويلة الأجل، وهذا يعني أن التدفقات النقدية التي كانت تمثل أحد أبرز مصادر القوة المالية لهذه الشركات ستواجه ضغوطًا متزايدة، مقابل أصول قد تحتاج إلى سنوات قبل أن تحقق عوائدها المستهدفة.

التزامات ضخمة واختبار لكفاءة الإنفاق
تكشف الإفصاحات عن تفاوت واضح في حجم الالتزامات بين الشركات، فقد تجاوزت التزامات ألفابت تريليون دولار، تشمل المعدات التقنية والطاقة وعقود الإيجار، فيما أعلنت ميتا التزامات تتجاوز 800 مليار دولار، يخصص أقل قليلًا من نصفها لعقود إيجار مراكز بيانات لم يبدأ سريانها بعد، وتمتد فترات سدادها إلى 30 عامًا.
كما بلغت عقود الإيجار المستقبلية للشركات الخمس نحو 1.3 تريليون دولار، مقابل 1.9 تريليون دولار من التزامات الشراء الأخرى، وهذه الأرقام تكشف أن السباق لا يتعلق بإنفاق رأسمالي تقليدي فقط، بل بتعهدات مالية طويلة الأجل قد تؤثر في مرونة الشركات وقدرتها على توجيه مواردها إلى فرص جديدة.
في تقديري، لا يكفي أن يمتلك المستثمرون رؤية إيجابية تجاه نمو الذكاء الاصطناعي، بل يجب أن يختبروا قدرة كل شركة على تحويل هذا الإنفاق إلى إيرادات وأرباح وتدفقات نقدية مستدامة، فالفارق كبير بين الاستثمار في بنية تحتية مطلوبة، والاستثمار في أصول تحقق عائدًا يتناسب مع حجم رأس المال المخصص لها.

الفرص تتجاوز شركات التكنولوجيا
أعتقد أن الأثر الاستثماري لهذا السباق لن يقتصر على الشركات التي تبني مراكز البيانات، بل سيمتد إلى سلسلة واسعة من القطاعات، تشمل أشباه الموصلات ومعدات الشبكات والإنشاءات والتبريد والمكونات الكهربائية ومرافق الطاقة.
وتبرز الطاقة باعتبارها أحد أهم محددات المرحلة المقبلة، إذ تحتاج مراكز البيانات إلى إمدادات كهرباء مستقرة ومتواصلة، وهو ما قد يرفع الطلب على مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة، إلى جانب شبكات النقل والتخزين والبنية التحتية المرتبطة بها.
ومن وجهة نظري، قد تكون الشركات التي توفر هذه الخدمات والمكونات من أبرز المستفيدين من موجة الإنفاق، خصوصًا إذا واجهت شركات التكنولوجيا تأخرًا في تحويل استثماراتها إلى عوائد تجارية، لكن ذلك لا يلغي ضرورة تقييم المخاطر التشغيلية والتمويلية، أو احتمال تراجع الطلب إذا لم تتوسع التطبيقات التجارية للذكاء الاصطناعي بالسرعة المتوقعة.

الخليج أمام فرصة استثمارية جديدة
يحمل هذا التحول فرصًا مهمة للاقتصادات الخليجية، وفي مقدمتها السعودية، التي تعمل على تعزيز موقعها في الاقتصاد الرقمي وتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفات رؤية 2030.
فتوافر الطاقة والأراضي، إلى جانب الاستثمارات في البنية التحتية والاتصالات، يمكن أن يمنح المنطقة فرصة لاستقطاب مشروعات مراكز البيانات، أو المشاركة في سلاسل الإمداد والخدمات المرتبطة بها، كما تستطيع الصناديق السيادية والمستثمرون المؤسسيون توجيه جزء من استثماراتهم إلى قطاعات الطاقة والمرافق والمعدات الكهربائية، التي قد تستفيد من نمو الطلب على الحوسبة.
لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب دراسة الجدوى الاقتصادية لكل مشروع، وكفاءة استهلاك الطاقة، وتكاليف التشغيل، والقدرة على تحقيق عوائد مستدامة، بدلًا من الانجذاب إلى الزخم المحيط بالذكاء الاصطناعي وحده.

الاستثمار بين النمو ومخاطر الإفراط في الإنفاق
أرى أن السيناريو الأقرب هو استمرار الإنفاق المرتفع على مراكز البيانات خلال السنوات المقبلة، مع اختلاف قدرة الشركات على تحقيق العوائد، وقد يؤدي تأخر الإيرادات أو ارتفاع تكاليف التمويل إلى الضغط على التقييمات، خصوصًا لدى الشركات التي تتوسع في الالتزامات طويلة الأجل بوتيرة أسرع من نمو تدفقاتها النقدية.
لذلك، أعتقد أن المستثمر المؤسسي يحتاج إلى النظر إلى ما وراء أرقام الإنفاق، ومتابعة مؤشرات العائد على رأس المال، والتدفقات النقدية الحرة، ومستويات المديونية، وكفاءة استخدام الأصول، كما أن تنويع التعرض الاستثماري بين شركات التكنولوجيا وموردي البنية التحتية والطاقة قد يوفر توازنًا أفضل بين فرص النمو ومخاطر التنفيذ.
في النهاية، لا أرى أن الرهان الحقيقي يكمن في تحديد الشركة الأكثر إنفاقًا على الذكاء الاصطناعي، بل في تحديد الجهات القادرة على تحويل هذا الإنفاق إلى قيمة اقتصادية مستدامة، فسباق مراكز البيانات قد يعيد تشكيل خريطة الاستثمار العالمي، لكن النجاح لن يكون بالضرورة من نصيب الأكثر إنفاقًا، بل لمن يستطيع تحقيق أفضل عائد من كل دولار يستثمره.