سامر شقير: خطوط الأنابيب تدخل معادلة الاستثمار الخليجي
أرى أن استعداد شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» لتشغيل خط أنابيب جديد يتجاوز مضيق هرمز مطلع 2027 يمثل تحولًا مهمًا في إدارة مخاطر تصدير النفط الخليجي، وليس مجرد زيادة في الطاقة الاستيعابية، فإتاحة مسار بديل لنقل الخام إلى محطة الفجيرة تعزز مرونة الإمدادات، وتحد من تعرض جزء من الصادرات لاضطرابات الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.
من وجهة نظري، تكمُن القيمة الاستثمارية لهذه الخطوة في قدرتها على تحسين موثوقية تدفقات النفط، وتقليل علاوة المخاطر المرتبطة بالنقل، ومنح الشركة والمشترين الآسيويين خيارات أوسع لإدارة الإمدادات، ففي أسواق الطاقة، لا تتحدد جاذبية الأصل بحجم إنتاجه فقط، بل أيضًا بقدرته على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب، وبأقل قدر ممكن من المخاطر والتكاليف الإضافية.
الفجيرة تعزز خيارات تصدير الخام الإماراتي
تأتي الخطوة في وقت تتزايد فيه أهمية تنويع مسارات تصدير الطاقة، مع استمرار المخاوف بشأن أمن الملاحة عبر مضيق هرمز، ووفقًا للمعطيات الواردة، أبلغت «أدنوك» بعض مصافي التكرير الآسيوية بأن جزءًا من إمدادات الحقول البحرية، بما في ذلك خام أبر زاكوم، قد يُنقل عبر الخط الجديد خلال الأشهر الأولى من 2027، بموجب عقود طويلة الأجل تُجدد سنويًّا.
ويمثل ذلك تطورًا مهمًا مقارنة بالنموذج التقليدي الذي يعتمد على نقل الخام البحري عبر المضيق، في حين يتيح خط الأنابيب القائم نقل خام مربان من الحقول البرية إلى الفجيرة، وأرى أن توسيع نطاق الخامات التي يمكن تصديرها عبر مسارات بديلة قد يمنح الإمارات مرونة أكبر في تلبية احتياجات المشترين، ويعزز دور الفجيرة مركزًا رئيسيًّا لتخزين النفط وتصديره.
لكن الأثر الفعلي سيظل مرتبطًا بموعد التشغيل، والطاقة المتاحة للخط، وحجم الإمدادات التي يمكن تحويلها إليه، فالإعلان عن مسار بديل لا يعني تلقائيًّا التخلص من جميع مخاطر النقل، بل يتوقف النجاح على قدرة البنية التحتية الجديدة على العمل بكفاءة واستيعاب الكميات المستهدفة.
أمن الإمدادات يعيد حسابات تخصيص رأس المال
أرى أن الاستثمار في البنية التحتية البديلة أصبح جزءًا أساسيًّا من معادلة العائد والمخاطر في قطاع الطاقة، فالشركات التي تمتلك أكثر من خيار لتصدير إنتاجها تتمتع بمرونة تشغيلية أكبر، وقدرة أفضل على التعامل مع الاضطرابات، مقارنة بالأصول التي تعتمد بالكامل على ممر واحد.
ومن منظور المستثمر المؤسسي، قد تنعكس هذه المرونة على تقييم المخاطر وتكلفة رأس المال، خصوصًا إذا أثبتت المسارات الجديدة قدرتها على تقليل انقطاعات الإمدادات وتكاليف النقل والتأمين، ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن وجود خط بديل سيؤدي وحده إلى ارتفاع التقييمات؛ إذ تظل الجدوى الاقتصادية للمشروع، وتكاليف التشغيل، ومعدلات الاستخدام، والالتزامات الرأسمالية عوامل حاسمة في تحديد العائد النهائي.
كما أرى فرصًا في الأنشطة المرتبطة بسلسلة القيمة حول الفجيرة، بما يشمل التخزين والخدمات اللوجستية ومناولة الشحنات، وقد يستفيد المشترون الآسيويون من تنوع نقاط التسليم، بما يساعدهم على إدارة محافظ الإمدادات وتقليل تعرضهم للاضطرابات في الممرات البحرية.
الفرص والمخاطر في المرحلة المقبلة
تتمثل الفرصة الرئيسية في تعزيز استقرار صادرات «أدنوك» وتوفير خيارات أوسع لتسليم الخام إلى الأسواق المستهدفة، أما المخاطر، فتتركز في احتمالات تأخر التشغيل أو ارتفاع تكاليف التنفيذ، إضافة إلى مدى قدرة الخط على استيعاب الكميات المخطط لها من الخامات البحرية.
وفي تقديري، ينبغي للمستثمرين متابعة التقدم الفعلي للمشروع ومعدلات الاستخدام والعقود المرتبطة به، بدلًا من بناء قراراتهم على توقعات التشغيل وحدها، كما أن استمرار التوترات الإقليمية قد يعزز أهمية المسار البديل، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه تكاليف الإنشاء والتأمين والخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة.
ولا أرى أن البنية التحتية البديلة تلغي أهمية مضيق هرمز أو مخاطر الاعتماد عليه بالكامل، لكنها تقلل درجة الانكشاف على نقطة اختناق واحدة، وهو فارق مهم عند تقييم استدامة التدفقات النقدية للشركات المنتجة.
انعكاسات أوسع على الاقتصاد الخليجي
يعكس توجُّه الإمارات نحو تنويع مسارات التصدير اتجاهًا أوسع في الخليج نحو تعزيز مرونة البنية التحتية للطاقة، وتمتلك السعودية بدورها خطوط أنابيب تتيح نقل النفط إلى منافذ تصدير بديلة، ما يبرز أهمية الاستثمار في شبكات النقل والتخزين باعتبارها جزءًا من أمن الإمدادات، وليس مجرد خدمات مساندة للإنتاج.
وفي سياق رؤية السعودية 2030، تكتسب هذه الاستثمارات أهمية إضافية من خلال دعم موثوقية سلاسل الإمداد، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات، وخلق فرص للقطاع الخاص في الخدمات اللوجستية والبنية التحتية، وأرى أن تكامل القدرات الخليجية في النقل والتخزين والتصدير يمكن أن يعزز مرونة المنطقة، مع ضرورة تقييم كل مشروع وفق جدواه الاقتصادية وقدرته على تحقيق عائد مستدام.
المرونة أصبحت معيارًا استثماريًّا
في النهاية، أرى أن خط أنابيب «أدنوك» الجديد قد يعزز مكانة الإمارات في أسواق الطاقة من خلال توسيع خيارات التصدير وتقليل الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز، لكن القيمة الحقيقية للمشروع ستتحدد بقدرته على العمل بكفاءة، واستيعاب الإمدادات المستهدفة، وتحقيق وفورات ملموسة في التكاليف والمخاطر.
وبالنسبة إلى المستثمرين المؤسسيين، فإن الدرس الأهم هو أن أمن الإمدادات بات عنصرًا أساسيًّا في تقييم أصول الطاقة، فالمشروعات الأكثر جاذبية ليست بالضرورة تلك التي تزيد الإنتاج وحده، بل تلك التي تجمع بين كفاءة التشغيل، ومرونة التصدير، واستدامة التدفقات النقدية في مواجهة التقلبات الجيوسياسية.
