بوابة التقنية المالية

سامر شقير: تخزين الكهرباء يُعزز فرص مصر في جذب رأس المال الخليجي

الأحد 1 نوفمبر 2026 01:23 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

تفتح خطة مصر لإضافة نحو 14 ألف ميجاواط ساعة من قدرات تخزين الكهرباء باستخدام البطاريات بحلول عام 2030 مرحلة جديدة في مسار التحول الطاقي، وتعكس تحولًا في أولويات الاستثمار من مجرد زيادة قدرات إنتاج الكهرباء النظيفة إلى بناء منظومة أكثر مرونة قادرة على تخزين الطاقة وإدارتها وتوفيرها في أوقات ارتفاع الطلب.
أرى أن إعلان هشام الجمل، المدير العام لشركة إنفينيتي، بشأن المستهدفات المصرية يمثل مؤشرًا مهمًا على تطور سوق الطاقة المتجددة في البلاد، خصوصًا أن التخزين بالبطاريات أصبح عنصرًا أساسيًّا في اقتصاديات مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، وليس مجرد تقنية مساندة، فالتحدي الحقيقي لم يعد إنتاج الكهرباء النظيفة فقط، بل ضمان استمرارية إمداداتها وتحقيق التوازن بين أوقات التوليد والاستهلاك.
ومن وجهة نظري، تفتح هذه الخطة مجالًا جديدًا أمام المستثمرين المؤسسيين وصناديق البنية التحتية والطاقة النظيفة، خصوصًا في ظل تزايد الاهتمام العالمي بالأصول طويلة الأجل المرتبطة بالتحول الطاقي، والتي يمكن أن توفر تدفقات نقدية مستقرة عندما تكون مدعومة باتفاقيات شراء طاقة وأطر تنظيمية واضحة.

التخزين بالبطاريات يعيد تعريف اقتصاديات الطاقة
أعتقد أن مصر تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في تأمين إمدادات كهرباء موثوقة، وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي والمستورد، وهنا تبرز أهمية أنظمة تخزين الطاقة، التي تسمح بالاحتفاظ بفائض الإنتاج من الطاقة الشمسية والرياح خلال ساعات التوليد المرتفعة، ثم استخدامه في أوقات الذروة، خاصة خلال المساء.
هذا التحول يغير طريقة تقييم مشروعات الطاقة المتجددة؛ فالمستثمر لم يعد ينظر فقط إلى تكلفة إنتاج الميجاواط ساعة، بل أصبح يهتم أيضًا بقدرة المشروع على توفير الكهرباء في التوقيت المطلوب، وتقليل مخاطر تقليص الإنتاج، وتحسين كفاءة استخدام الشبكة.
وأرى أن المشروعات التي تجمع بين التوليد والتخزين في هيكل استثماري واحد ستكون أكثر جاذبية خلال المرحلة المقبلة، لأنها تقدم حلًا متكاملًا لمشكلة تذبذب الإنتاج، وتمنح المستثمرين فرصًا أفضل لإدارة العوائد والمخاطر التشغيلية.

مشروعات مصرية تفتح الباب أمام استثمارات جديدة
تقدم المشروعات الجاري تطويرها في مصر مؤشرات عملية على هذا التحول، ومن بينها مشروع بنبان الذي يجمع بين قدرة شمسية تبلغ 200 ميجاواط ونظام تخزين بسعة 120 ميجاواط ساعة، إلى جانب مشروع «نفر المنيا» الذي يستهدف إنشاء محطة بقدرة ألف ميجاواط وسعة تخزين تصل إلى 600 ميجاواط ساعة.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية إضافية من قدرتها على جذب التمويلات الدولية، إذ يستفيد مشروع «نفر المنيا» من تمويل يبلغ 566 مليون دولار، مع استهداف بدء تشغيله في سبتمبر 2027.
في تقديري، تعكس هذه الاستثمارات انتقال السوق المصرية من مرحلة الإعلان عن مشروعات الطاقة المتجددة إلى بناء أصول أكثر تعقيدًا من الناحية الفنية والتمويلية، كما أن الشراكات التي تجمع إنفينيتي ومجموعة حسن علام وشركة مصدر الإماراتية في قطاع الطاقة النظيفة تؤكد أهمية التعاون الإقليمي في تمويل وتطوير هذه البنية التحتية.

رأس المال الخليجي أمام فرصة استثمارية جديدة
أرى أن التوسع المصري في تخزين الكهرباء يفتح قناة مهمة أمام تدفقات رأس المال الخليجي، خصوصًا أن شركات المنطقة تمتلك خبرات متقدمة في تطوير وتمويل وتشغيل مشروعات الطاقة المتجددة واسعة النطاق.
وتبرز شركة مصدر الإماراتية باعتبارها أحد النماذج المهمة لهذا التعاون، من خلال مشاركتها في إنفينيتي باور، بما يعكس اتجاهًا نحو بناء شراكات إقليمية تتجاوز الاستثمار في محطات التوليد إلى تطوير منظومة متكاملة للطاقة النظيفة.
وأعتقد أن صناديق الاستثمار والبنية التحتية الخليجية يمكن أن تنظر إلى مشروعات التخزين المصرية باعتبارها أصولًا مكملة لمحافظها الاستثمارية، خاصة أن مصر تمتلك موارد شمسية ورياحًا واعدة، إلى جانب احتياجات متزايدة لتطوير الشبكة الكهربائية.
لكنني أرى أن نجاح هذه الاستثمارات يتطلب تقييمًا دقيقًا لمخاطر سعر الصرف، والقدرة على تأمين التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ، فضلًا عن الجدارة الائتمانية للجهات المشترية للكهرباء، فحجم المشروع وحده لا يضمن عائدًا استثماريًّا مجزيًا، وإنما تتحدد جاذبيته بمدى قدرته على تحقيق تدفقات نقدية مستدامة.
سلسلة توريد البطاريات تخلق فرصًا تتجاوز محطات الكهرباء
من وجهة نظري، لا تتوقف الفرص الاستثمارية عند تطوير محطات التخزين، بل تمتد إلى سلسلة القيمة المرتبطة بها، بداية من توريد البطاريات وأنظمة إدارة الطاقة، مرورًا بالحلول الإلكترونية والتحكم، وصولًا إلى التشغيل والصيانة وإدارة دورة حياة الأصول.
كما أرى أن توطين أجزاء من صناعة البطاريات ومكوناتها في مصر بالتعاون مع شركاء دوليين قد يمثل فرصة استراتيجية، لأنه يساعد على خفض الاعتماد على الواردات، ويعزز القيمة المضافة المحلية، ويفتح المجال أمام بناء قاعدة صناعية مرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
وإذا استمرت تكاليف تقنيات البطاريات في الانخفاض، فقد تتحسن اقتصاديات مشروعات التخزين بصورة أكبر، ما يعزز قدرتها على المنافسة مقارنة ببعض حلول الطاقة التقليدية، ومع ذلك، سيظل نجاح هذه الاستثمارات مرتبطًا بجودة التكنولوجيا المستخدمة وكفاءة التشغيل وتكلفة التمويل.

مخاطر التنفيذ والتمويل تفرض انتقائية أكبر
رغم الفرص الواعدة، فإن الوصول إلى مستهدف تخزين 14 ألف ميجاواط ساعة بحلول 2030 يتطلب تسارعًا كبيرًا في تنفيذ المشروعات وتأمين التمويلات اللازمة، إلى جانب تطوير الأطر التنظيمية التي تحدد آليات شراء الكهرباء وتقييم خدمات التخزين.
وأرى أن الاعتماد على التمويلات الخارجية يفرض تحديات إضافية تتعلق بتقلبات العملة ومخاطر إعادة التمويل، خاصة في المشروعات التي تمتد فترات تنفيذها وتشغيلها لسنوات طويلة، كما أن تأخر تسليم المشروعات أو ارتفاع تكاليف المعدات قد يؤثر على العائد المتوقع للمستثمرين.
لذلك، أفضل أن يركز المستثمرون المؤسسيون على المشروعات التي تمتلك تمويلًا واضحًا، واتفاقيات شراء طاقة طويلة الأجل، وشركاء يتمتعون بخبرة تشغيلية، بدلًا من الاعتماد على المستهدفات المعلنة أو حجم القدرات المخطط إضافتها فقط.

التحول الطاقي المصري يعزز التكامل الاستثماري الخليجي
أعتقد أن نجاح مصر في بناء قدرات تخزين واسعة النطاق يمكن أن يعزز التكامل الاقتصادي والاستثماري مع دول الخليج، التي تمتلك رؤوس أموال وخبرات فنية متقدمة في قطاع الطاقة النظيفة.
كما أن هذا التوجه يتقاطع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 لتنويع الاقتصاد وتطوير قطاع الطاقة المتجددة، بما يتيح فرصًا لبناء شراكات إقليمية في التمويل والتصنيع والتشغيل ونقل التكنولوجيا.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتحول مشروعات التخزين المصرية إلى نقطة جذب لصناديق البنية التحتية الإقليمية والدولية، بشرط استمرار الإصلاحات التنظيمية وتحسين البيئة التمويلية وضمان استقرار التدفقات النقدية.

الاختبار الحقيقي هو العائد وليس حجم القدرات
في تقديري، ستدخل سوق الطاقة المصرية مرحلة أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة، مع انتقال المنافسة من التوسع في إنتاج الكهرباء النظيفة إلى القدرة على تخزينها وإدارتها بكفاءة، وقد يتسارع نشر أنظمة التخزين بعد عام 2027، إذا نجحت المشروعات الحالية في تحقيق مستهدفاتها التشغيلية والتمويلية.
وأميل إلى أن المستثمرين الذين سيدخلون هذا القطاع مبكرًا، مع التركيز على جودة الأصول والشراكات والجدارة الائتمانية واتفاقيات شراء الطاقة، سيكونون في وضع أفضل للاستفادة من النمو المتوقع.
في النهاية، لا أرى أن خطة تخزين 14 ألف ميجاواط ساعة تمثل مجرد إضافة تقنية إلى قطاع الكهرباء المصري، بل تعكس إعادة تشكيل لاقتصاديات الطاقة وأولويات تخصيص رأس المال في السوق، فالمستقبل لن يكون فقط لمن يستطيع إنتاج الكهرباء بأقل تكلفة، بل لمَن يمتلك القدرة على تخزينها وإدارتها وتوفيرها في الوقت المناسب، وهذه هي الفرصة الاستثمارية الحقيقية التي يمكن أن تجعل مصر مركزًا إقليميًّا أكثر جاذبية لمشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بها.