سامر شقير: التمويل الاستهلاكي أمام اختبار جودة الأصول
لم يعد التوسع السريع في سوق التمويل غير المصرفي المصري ضمانة لتحقيق الأرباح، فمع اتجاه الهيئة العامة للرقابة المالية إلى تمديد وقف منح تراخيص جديدة لشركات التمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر لعام إضافي، تدخل السوق مرحلة مختلفة عنوانها إعادة تقييم المخاطر وجودة الأصول قبل ضخ رؤوس أموال جديدة.
أرى أن استمرار وقف التراخيص للعام الثالث على التوالي لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي مؤقت، بل يعكس توجهًا لإعادة ضبط المنافسة وتقييم الملاءة المالية للشركات القائمة، بعد التوسع الكبير الذي شهده القطاع خلال العامين الماضيين.
وتكشف بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية عن حجم هذا النمو، إذ بلغت قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح خلال النصف الأول من 2026 نحو 66.7 مليار جنيه، بزيادة 75.2% على أساس سنوي، فيما وصل عدد المستفيدين إلى نحو 7.9 مليون عميل بنمو 65%، وخلال 2025 سجل النشاط 96.3 مليار جنيه مقابل 61.3 مليار جنيه في 2024، بزيادة 57%، مع استفادة أكثر من 10.8 مليون عميل ووجود 48 ترخيصًا.
ومن وجهة نظري، فإن هذه الأرقام، رغم دلالتها على اتساع السوق، تفرض ضرورة مراقبة التركز الائتماني ومعدلات التعثر، حتى لا يتحول النمو المتسارع إلى مصدر ضغوط على الشركات والممولين.
إعادة ضبط السوق والحوكمة
يأتي التوجه التنظيمي ضمن مسار بدأته الهيئة في أكتوبر 2024، عندما أوقفت قبول الطلبات التقليدية بموجب القرار رقم 184، قبل تمديد القرار في 2025 وتوسيع القيود لاحقًا لتشمل بعض مسارات التكنولوجيا المالية.
وفي هذا السياق، أشارت رحاب طه، مساعدة رئيس الهيئة، إلى اعتزام إصدار عقد نموذجي خلال الشهر المقبل لتنظيم العلاقة بين العملاء والشركات، مستهدفا معالجة أكثر من 80% من مشكلات القطاع، وأرى أن هذه الخطوة تعكس أولوية حماية المستهلك وتعزيز الشفافية، بالتوازي مع تطبيق متطلبات بازل 3 وتطوير الربط مع شركات الاستعلام الائتماني.
كما يرتبط التوقف بضغوط السيولة وارتفاع تكاليف التمويل، في ظل اعتماد شركات عديدة على التسهيلات البنكية، وشدد البنك المركزي المصري مؤخرًا على ضوابط منح وتجديد هذه التسهيلات، مع حظر توجيهها إلى عمليات محظورة، مثل تمويل المعادن الثمينة، ويؤدي تداخل المتطلبات الرقابية إلى زيادة تكلفة الامتثال والحد من قدرة بعض الشركات على التوسع السريع.
فرص الاستثمار والاندماج والاستحواذ
أرى أن وقف التراخيص الجديدة يمنح الشركات القائمة ميزة نسبية، من خلال الحد من دخول منافسين جدد وإتاحة مساحة لتعزيز الحصص السوقية، لكن الاستفادة من هذه الفرصة ستظل مرتبطة بقوة الملاءة المالية وجودة السجلات الائتمانية وكفاءة إدارة المحافظ.
ومن المرجح أن تصبح المؤسسات المالية الدولية وصناديق الاستثمار الخاصة أكثر انتقائية، مع اتجاه محتمل نحو الاستحواذ على حصص في الشركات القائمة أو تمويل توسعاتها الداخلية بدلًا من تأسيس كيانات جديدة، كما قد تتزايد أهمية مسارات التكنولوجيا المالية التي حصلت على موافقات مسبقة، بما يدعم احتمالات الدمج والاستحواذ داخل القطاع.
وتبرز فرص استثمارية في الشركات التي تمول السلع الأساسية والخدمات ذات الطلب المستقر، مثل الأجهزة المنزلية والتعليم والرعاية الصحية، بينما تواجه المحافظ المرتبطة بالسلع الكمالية والمنتجات مرتفعة القيمة مخاطر أكبر نسبيًّا.
المخاطر والسيناريوهات المقبلة
تظل مخاطر الائتمان والتحصيل من أبرز التحديات، فإذا استمر نمو التمويل دون تحسن متناسب في معدلات السداد، فقد ترتفع المخصصات وتتراجع هوامش الربح، لذلك أرى أن الشركات التي تمتلك قواعد بيانات قوية وأدوات متقدمة لتحليل سلوك العملاء ستكون أكثر قدرة على التكيف مع البيئة الرقابية الجديدة.
وأرجح استمرار وقف التراخيص لعام إضافي بالتزامن مع تطبيق العقد النموذجي وتوسيع أدوات مكافحة الاحتيال، بما يقود إلى سوق أكثر تنظيمًا وأقل انفتاحًا أمام الداخلين الجدد، ويبقى احتمال إعادة فتح التراخيص تدريجيًّا قائمًا، لكنه يرتبط بتحسن مؤشرات الملاءة وجودة الأصول.
رسالتي للمستثمرين المؤسسيين واضحة: المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على جودة الأصول والحوكمة وكفاءة التحصيل، وليس حجم التمويلات وحده، فتخصيص رأس المال للشركات الأكثر انضباطًا وقدرة على إدارة المخاطر، مع مراقبة سياسات البنك المركزي تجاه التسهيلات البنكية، سيكون عاملًا أساسيًّا في تحديد فرص العائد المستدام.
إن سوق التمويل غير المصرفي في مصر يتجه نحو مرحلة تعيد ترتيب أولويات الاستثمار، من سباق التوسع السريع إلى الانتقاء والاندماج وبناء نماذج أعمال أكثر استدامة.
