سامر شقير يكتب: هل يفقد العميل «الكسول» قيمته للبنوك؟
لعقود طويلة، استفادت البنوك من حقيقة بسيطة في سلوك العملاء: معظمهم لا ينقلون أموالهم باستمرار بحثًا عن عائد أعلى، هذا الجمود منح المؤسسات المصرفية إمكانية الاحتفاظ بودائع منخفضة التكلفة، واستخدامها في تمويل القروض والاستثمارات وتحقيق هوامش ربح مستقرة نسبيًّا.
لكن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يغيرون هذه المعادلة، فحين يصبح بمقدور العميل تفويض نظام ذكي لمراقبة أرصدته، ومقارنة العوائد المتاحة، ونقل الأموال تلقائيًا إلى الحسابات الأكثر جاذبية، فإن الودائع التي كانت تُعد مصدرًا مستقرًا للتمويل قد تتحول إلى أموال أكثر حساسية للفروق السعرية.
من وجهة نظري، لا يتعلق الأمر بمجرد منافسة جديدة على أسعار الفائدة، بل بتحول هيكلي قد يعيد تعريف قيمة العلاقة بين البنك والعميل، ويضع قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بالودائع منخفضة التكلفة تحت اختبار حقيقي.
الذكاء الاصطناعي يختبر ولاء العملاء
تنبع أهمية هذا التحول من الفجوة بين العوائد التي تقدمها بعض الحسابات المصرفية التقليدية، وتلك المتاحة عبر المنصات الرقمية، ففي حين تظل الفائدة على كثير من الحسابات الجارية الأمريكية محدودة، تقدم بعض المنصات عوائد أعلى بكثير، ما يجعل الأموال الخاملة هدفًا واضحًا لأدوات المقارنة والتحويل الآلي.
في الماضي، لم تكن هذه الفجوة كافية وحدها لدفع معظم العملاء إلى التحرك؛ فالمقارنة تتطلب وقتًا، ونقل الأموال يحتاج إلى متابعة، كما أن كثيرين يفضلون البقاء مع مؤسساتهم المصرفية المعتادة، أما وكلاء الذكاء الاصطناعي، فيمكنهم تقليص هذه الاحتكاكات، ومتابعة العوائد على نحو مستمر، وتنفيذ القرارات وفق حدود يحددها المستخدم.
وتشير تقديرات «ماكينزي» الواردة في التحليلات المتداولة إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يعرضون ما بين 75 و160 مليار دولار من إيرادات المدفوعات العالمية للخطر، مع احتمال تعرض نحو 65 مليار دولار من صافي دخل الفوائد المرتبط بالودائع الفردية والتجارية للضغط في سيناريو أساسي، ورغم أن هذه التقديرات لا تعني خسارة مؤكدة، فإنها توضح حجم الرهان الاقتصادي المرتبط بتغير سلوك العملاء.
المسألة الأساسية هنا أن البنك قد يظل يحتفظ بالحساب، لكنه يفقد تدريجيًّا السيطرة على القرار المالي الذي كان يحافظ على أموال العميل داخله.
من الودائع الرخيصة إلى التمويل الأعلى تكلفة
تتمثل إحدى أهم مزايا البنوك في قدرتها على تمويل جزء من أصولها من خلال ودائع منخفضة التكلفة، ثم توظيف هذه الأموال في القروض والاستثمارات التي تحقق عائدًا أعلى، وكلما كانت قاعدة الودائع مستقرة، زادت قدرة البنك على التخطيط للتمويل وإدارة السيولة والحفاظ على هامش صافي الفائدة.
لكن هذه الميزة قد تتراجع إذا أصبحت الأموال أكثر سرعة في الانتقال بين المؤسسات، وتشير تقديرات تخص بنوك أمريكية كبرى، منها «جيه بي مورغان تشيس» و«بنك أوف أمريكا» و«ويلز فارغو»، إلى أن لديها مجتمعة نحو 1.6 تريليون دولار من الودائع غير المدرة للفائدة، وإذا اضطرت هذه البنوك إلى دفع عائد يقارب 3% على جزء كبير من تلك الأرصدة، فقد ترتفع تكاليف التمويل بنحو 47 مليار دولار سنويًّا، وفق الحسابات الواردة في المادة.
هذا السيناريو افتراضي وليس توقعًا مؤكدًا، لكنه يكشف حساسية الأرباح لأي تغير في تكلفة الودائع، فزيادة الفائدة المدفوعة للعملاء قد تقلص هامش الربح، بينما يؤدي الاعتماد على مصادر تمويل بديلة إلى رفع التكلفة أو زيادة التعرض لتقلبات السوق.
لهذا السبب، ينبغي للمستثمرين ألا يكتفوا بمراقبة نمو القروض أو حجم الودائع، بل أن يفحصوا مدى استقرار هذه الودائع، وتكلفتها الفعلية، وقدرة البنك على الاحتفاظ بها عند اشتداد المنافسة على العائد.
الدفاع عن الودائع ليس استراتيجية كافية
بدأت بنوك أميركية كبرى اتخاذ خطوات لتقييد بعض أشكال وصول وكلاء الطرف الثالث إلى حسابات العملاء، وسط مخاوف من أن تسهّل هذه الأدوات نقل الأموال إلى منافسين يقدمون عوائد أعلى، وقد تمنح هذه القيود البنوك وقتًا لإدارة المخاطر، لكنها لا تعالج وحدها التحول الأعمق في توقعات العملاء وطريقة تعاملهم مع أموالهم.
في رأيي، ستظهر الفجوة بين المؤسسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدًا ينبغي احتواؤه، وتلك التي توظفه لتحسين العلاقة مع العميل، فالبنك القادر على تطوير وكلاء موثوقين داخل منظومته قد يساعد العميل على إدارة السيولة ومقارنة المنتجات وتحقيق أهدافه المالية، مع إبقاء العلاقة المصرفية داخل المؤسسة.
أما البنك الذي يعتمد على القيود الدفاعية دون تقديم تجربة أكثر كفاءة، فقد يجد نفسه أمام منافسة متزايدة من منصات تستطيع الوصول إلى العميل في اللحظة التي يتخذ فيها قراره المالي.
ومع ذلك، لا ينبغي افتراض أن انتقال الودائع سيحدث بصورة جماعية أو فورية، فالثقة، ومتطلبات حماية البيانات، والمسؤولية عن التحويلات الخاطئة، والضوابط التنظيمية، كلها عوامل قد تحد من سرعة التبني، لكن هذه الحواجز قد تؤخر التحول أكثر مما تمنعه.
أين تكمن الفرص الاستثمارية؟
من منظور تخصيص رأس المال، لن يكون السؤال الأهم هو أي البنوك تنفق أكثر على الذكاء الاصطناعي، بل أيها تستطيع تحويل هذا الإنفاق إلى ميزة اقتصادية قابلة للقياس.
يتطلب ذلك متابعة تكلفة الودائع، وهامش صافي الفائدة، ومعدلات الاحتفاظ بالعملاء، وكفاءة الإنفاق التقني، وقدرة الإيرادات القائمة على الرسوم وإدارة الأصول والخدمات الرقمية على تعويض أي تراجع في دخل الفوائد.
وقد تبرز فرص كذلك لدى شركات التكنولوجيا المالية التي توفر البنية التحتية لوكلاء الذكاء الاصطناعي، أو أدوات التحقق من الهوية والصلاحيات، أو أنظمة مراقبة المخاطر والامتثال، لكن جاذبية هذه الشركات تعتمد على قدرتها على تحويل الابتكار إلى إيرادات متكررة، وبناء نماذج أعمال قابلة للتوسع، والالتزام بمعايير الأمان والحوكمة.
فالذكاء الاصطناعي لا يصنع قيمة استثمارية بمجرد قدرته على تنفيذ المعاملات بسرعة؛ بل عندما يقلل التكلفة، ويحسن تجربة المستخدم، ويعالج مشكلة حقيقية دون خلق مخاطر تشغيلية أو قانونية تفوق العائد المتوقع.
البنوك الخليجية أمام اختبار مبكر
في دول الخليج، يكتسب هذا التحول أهمية خاصة مع توسع الائتمان المرتبط بمشروعات البنية التحتية والتنويع الاقتصادي، وتنامي الخدمات المصرفية الرقمية، فاستمرار النمو في الطلب على التمويل لا يلغي أهمية الحفاظ على مصادر تمويل مستقرة ومنخفضة التكلفة.
وقد تواجه البنوك الخليجية ضغوطًا مماثلة إذا أصبحت الشركات والأفراد أكثر قدرة على مقارنة العوائد وتحريك السيولة بين الحسابات والمنصات، وفي المقابل، تتيح برامج التحول الرقمي المرتبطة برؤية 2030 مجالًا لتطوير حلول مالية محلية، شريطة أن تجمع بين سهولة الاستخدام وحماية البيانات والامتثال التنظيمي.
بالنسبة إلى المستثمرين، ينبغي تقييم البنوك المحلية وفق قدرتها على تطوير خدمات ذكية تحافظ على ولاء العملاء، وتنويع مصادر الإيرادات، وإدارة السيولة بكفاءة، بدلًا من افتراض أن النمو الاقتصادي وحده سيضمن استمرار الهوامش الحالية.
من سرعة التقنية إلى جودة تخصيص رأس المال
قد لا يؤدي انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى انهيار نموذج الودائع المصرفية، لكنه قد يجعل الاعتماد على جمود العملاء أقل موثوقية مما كان عليه في السابق، وهذه نقطة فارقة في تقييم البنوك: الميزة التنافسية لن تأتي بالضرورة من امتلاك أكبر قاعدة ودائع، بل من القدرة على الاحتفاظ بها بتكلفة مناسبة، وتوظيفها بكفاءة، والحفاظ على العلاقة مع العميل في بيئة مالية أكثر سرعة وشفافية.
وأرى أن المستثمر المؤسسي يحتاج إلى التمييز بين الأثر قصير الأجل للضجة التقنية، والأثر طويل الأجل على اقتصاديات الأعمال، فليس كل بنك يتبنى الذكاء الاصطناعي سيحمي هوامشه، وليس كل بنك يتعرض للضغط سيخسر ميزته التنافسية؛ الفارق الحقيقي سيكون في جودة التنفيذ والحوكمة والعائد على الاستثمار التقني.
في النهاية، لا تتعلق المعركة المقبلة بسرعة انتقال الأموال وحدها، بل بمن يمتلك العلاقة مع العميل، ومن يتحكم في القرار المالي، ومن يستطيع تحويل البيانات والتقنية إلى تدفقات نقدية مستدامة، وفي قطاع يعتمد جزء من ربحيته على استقرار الودائع، قد يصبح «العميل الكسول» استثناءً من الماضي، بينما تتحول القدرة على الاحتفاظ بالثقة والسيولة إلى أصل استراتيجي جديد.
